الأحد، 13 ديسمبر 2015

كيف تصنع المعنويات وتواجه التحديات؟ ـ 4

من مقالات الدكتور خالد محمد المدني

كيف تصنع المعنويات وتواجه التحديات؟

قواعد في صناعة المعنويات:
نواصل في هذه التدوينة عن قواعد صناعة المعنويات
ثانياً: النصر لايعتمد على القوة المادية فقط بل على القوة المادية والمعنوية، والأخيرة أهم في تحقيق النصر، فكم هزمت من جيوش بسبب أن معنوياتها مهزوزة خائرة، وكم انتصرت من جيوش كانت الأقل عدداً وعدة  لكنها كانت تمتلك المعنويات العالية (فيتنام مثالاً)،وفي قوله تعالى:(وأعدّوا لهم مااستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم).الأنفال،60، بيان للقوة والقوة هنا تعني ثلاثة أمور:
1.     الحد الأدنى من القوة المادية تحقق النصر، لمّا جاء البشير يبشّر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بانتصار المسلمين في معركة القادسية .. سأله عمر: متى بدأ القتال؟ فقال: قبل الضحى، فقال له عمر: ومتى كان النصر ؟ فقال له البشير: قبل المغرب، فبكى عمر فقال الناس: ياأمير المؤمنين، يبشرك بالنصر فتبكي، فقال رضي الله عنه كلمات توزن بماء الذهب:
(والله إنّ الباطل لايصمد أمام الحق طوال هذا الوقت إلاّ بذنب أذنبتموه أنتم أو أذنبته أنا .. نحن قوم لاننتصر بكثرة العدد والعتاد ولكن بقلّة ذنوبنا وكثرة ذنوب أعدائنا)
2.     القوة أنواع: قوة الإيمان وهي الأساس في صناعة التوكل على الله، وقوة اليقين وهي التي تصنع التفاؤل، وقوة الصبر وهي التي تصنع العزيمة والاستمرار، وقوة المعنويات التي تصنع النصر، وليست المشكلة اليوم في صناعة المعنويات بل في قيادتها وإدارتها، والقوة المادية هي من مجموع هذه القوى وليست أهمّها كما يعتقد الكثير من الناس.
3.     قدّم الله القوة المعنوية على القوة المادية فقال :(وأعدّوا لهم مااستطعتم من قوة ومن رباط الخيل) والمعنى هو: أنّ القوة المعنوية، والحد الأدنى من القوة المادية وهي السلاح، ثم المادية الأخرى، وهي رباط الخيل تحقق النصر على الأعداء، كما أخبر المعصوم عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة).   
ثالثاً: بسبب تكالب الظالمين على أمة الإسلام والهجوم عليها من كل حدب وصوب، كما أخبر نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعي الأكلة إلى قصعتها، قالوا أومن قلّة نحن يارسول الله نحن يومئذ قليل؟، قال: لا، أنتم كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل). رواه الطبراني في الأوسط .. بسبب هذا التكالب وتحقيق الأعداء بعضاً من النصر  بدأ الوهن واليأس يتسلل إلى قلوب بعض الناس، ويركنون لأسباب النصر المادية، وينسون الأسباب المعنوية، ويغفلون عن أن هذه الأمة منصورة، ويتجاهلون أن القوة المعنوية مع قليل من القوة المادية كفيلة بتحقيق النصر وهزيمة أعتى الجيوش، وفي الحديث الصحيح: (نصرت بالرعب مسيرة شهر).رواه البخاري ، أي أن أعداءه يقذف الله في قلوبهم الرعب  على مسيرة شهر، قال ابن حجر في فتح الباري: مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، وفي يوم بدر كما ورد في الحديث الذي رواه  الإمام أحمد عن  ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: لما كان يوم بدر نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه، وهم ثلاث مئة ونيف ، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - القبلة، ثم مد يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً، قال: فما زال يستغيث ربه [ عز وجل ] ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه  فردّاه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فالتفت رسول الله إلى أبي بكر فقال له: ياأبا بكر أبشر هذا جبريل على ثناياه النقع أي الغبار يقود ألفاً من الملائكة، فأنزل الله عز وجل: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) الأنفال (9)، فلما كان يومئذ والتقوا  هزم الله المشركين، فقُتل منهم سبعون رجلاً،  وأُسر منهم سبعون رجلاً، أرأيتم كم كان عدد المشركين كانوا الأكثر عدة وعتاداً، لكن المعنويات المرتفعة، والثقة، والتوكل على الله هزم هذا العتاد وهذا العدد، وفي قوله تعالى: (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين).يوسف،110، لفتة نفسية هامة فقد يفهم  بعض الناس أن الرسل هم الذين ظنوا أنهم قد كذبوا أي أن الرسل ظنوا أن الله أخلفهم الوعد بالنصر ، والصحيح كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مانصّه:
(هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، (حتى إذا استيئس الرسل) ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك).
أرأيتم أهمية المعنويات التي كان يديرها الأنبياء عليهم السلام، وهم يطمئنون أتباعهم بأن النصر قادم إن تحققت شروطه وبيئته الحاضنة، وهو أصعب موقف يمرّ به أنبياء الله عندما يشكك الخلّص من أتباعهم بتحقق النصر من الله.
يتبع...

 

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني

ch@olto.org