الجمعة، 10 أبريل 2020

خماسية التمتع بالحياة/ الدكتور خالد بن محمد المدني



من مقالات الدكتور خالد محمد المدني
خماسية التمتع بالحياة


سأتحدث في هذه التدوينة بمشيئة الله عن خمس ممارسات للتمتع بالحياة، وخمس ممارسات للشقاء، هذه الممارسات الخمس من التزمها كفيلةٌ بإسعاده وإمتاعه، هذه الممارسات الخمس هي في الحقيقة برامج عقليّة مثبتة في عقولنا، نسستخدمها بشكل يومي، إذن ما الذي يجعل منها ممارسات للتمتع بالحياة، وممارسات للشقاء؟
قبل أن أُجيب عن هذا السؤال دعونا نتحدث عن ممارسات السعادة ونقيضها :
أول ممارسة من ممارسات السعادة : الاستمتاع بالموجود وضدّها من ممارسات الشقاء التحسّر على المفقود، هذين برنامجين مثبتين في العقل ولذا نجد أنّ السعداء يركزون دائمًا وأبدًا يستمتعون بالموجود ولذلك هم يعددون نعم الله عليهم بالتفصيل يعددون نعم الله الممنوحة قبل المكسوبة ، كالحواس الخمس، والعقل، والقدمين والرجلين كلها نعم ممنوحة، بينما الأشقياء فهم دائمو التحسّر على المفقود ولذلك هم في حالة هم، وغم، وتوتر، وقلق دائم، وليس معنى ذلك أنّ السعيد لايخطط لإيجاد المفقود لا بل هو دائم السعي هو يطمح ولا يقنع لكنه لايتلف ذاته قلقًا وتوترًا على المفقود يخطط له ويستمتع بطريق الرحلة كما يستمتع بمحطة الوصول.
ثاني ممارسة من ممارسات السعادة : ذكر الحسنات والإيجابيات وضدّها من ممارسات الشقاء ذكر الذنوب والعيوب، وهما أيصًا برنامجين مثبتين في العقل،  السعداء دائمو التركيز على حسناتهم وإيجابياتهم فإن أذنبوا بادروا بالتوبة عملًا بقول الحق (إنّ الحسنات يُذهبن السيئات) فهم يفعلون ولا ينفعلون، السعداء لايقطعون أنفسهم حسرات وزفرات على الذنوب بل يبادرون بالتوبة، وإن عادوا للذنب عادوا للتوبة ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم) ، السعداء كذلك لايذكرون سلبياتهم بل يعددون إيجابياتهم فإن أخطأوا صلحوا خطأهم هم يملكون عيني نحلة لا عيني الذبابة فالذبابة لاتقع إلاّ على الجروح ولا تخرج إلاّ القروح، والنحلة لاتقع إلاّ على الزهور ولا تخرج إلاّ عسلًا طيبًا، أمّا التعساء فدائمو التركيز على ذنوبهم، وعيوبهم، دائمو لوم الذات وتقريعها وجلدها وتأنيبها.
ثالث ممارسة من ممارسات السعادة الانشغال بالذّات وضدّها من ممارسات الشقاء الإنشغال بالآخر، هذين أيضًا برنامجين مثبتين في العقل، السعداء دائمو التركيز على ذواتهم فهم لاينشغلون بالآخرين نقدًا وتقييمًا، بل ينشغلون بذواتهم وعيًا وتطويرًا وتجميلًا لأنهم يعتقدون أنّ ذواتهم مختلفة عن ذوات الآخرين من حيث الغايات، والإمكانات، والقدرات، والمهارات، أمّا التعساء فهم دائمو الانشغال بالآخر، ولذلك هم في حال حزن مستمر لأنّ محور اهتمامهم الآخر فإن حقق الآخر نجاحًا تألموا، وإن حقق الآخر تقدمًا اكتئبوا وهذا من قلة وعيهم بذواتهم وحقيقتهم.
رابع ممارسة من ممارسات السعداء اسقاط الأغيار من الإعتبار وضدّها من ممارسات الأشقياء المقارنة بالآخرين، وهما أيضًا برنامجين مثبتين بالعقل، ومعنى إسقاط الأغيار من الإعتبار، والأغيار جمع غير والغير هو الآخر، والمقصود أنّ السعداء لايقارنون ذواتهم بأحد صغر أم كبر هذا الأحد، فهم يسقطون أفعل التفضيل فهم متفردين وليسوا متميزين، التميز معناه أنّ هناك من أُقارن به، والتفرد معناه أنني لاشبيه لي ولا مثيل، فهم يقارنون أنفسهم بأنفسهم يقارن ذاته بذاته وليس بالآخرين، أما التعساء فهم دائموا المقارنة بالآخرين ولذلك هم دائمو الهم والغم والحزن.
خامس ممارسة من ممارسات السعداء التفكير باللحظة والتخطيط للمستقبل وضدّها التفكير بالماضي واجتراراه ، وهذا خامس برنامج مثبت في العقل، السعداء دائمو التفكير بلحظتهم والتخطيط لمستقبلهم، الماضي لايشدهم ولا يسحبهم وإذا أرادوا استرجاعه فهم يسترجعونه في حالتين فقط : الأولى التعلم منه وليس التألم، والثاني : استحضار ذكرياته السعيدة فقط، أمّا التعساء فهم دائمو التفكير والانشغال الماضي يجترون الماضي ويحزنون عليه، ولو علم هؤلاء أنّ الماضي ولّى وانقضى ولن يعود والحفر فيه لن يزيدهم إلاّ ألمًا ، والانشغال به لن يغيره ولن يبدله، تعلم كيف تتعامل مع ماضيك بالتعلم منه لا التحسر عليه ، وباسترجاع ذكرياته الجميلة فقط ، فأن جاءتك ذكرى مؤلمة تعامل معها كمساحات السيارات فمساحات السيارات نستخدمها لتنظيف الزجاج، أو في حالة المطر الشديد أو الخفيف، مساحات الذّات كذلك، ركب مساحات للذّات، ومساحات الذات كمساحات السيارات نستخدمها إذا احتجنا إليها فإن هطلت على عقلك ذكريات مؤلمة سريعة كالمطر الغزير فأطلق مساحات الذات بأعلى سرعتها وقل لها نظفي عقلي من هذه الذكريات شتتيها، وإن كان مطر الذكريات هادئًا هتّان فقل لعقلك ياعقلي شغل مساحاتي بهدوء لتشتيت الفكرة.
نجيب الآن على السؤال الذي طرحناه أول المقالة : ما الذي يجعل السعداء يستخدمون البرنامج بطريقته الصحيحة، وما الذي يجعل التعساء يستخدمونه بطريقته الخاطئة ؟
إنه الوعي والبرمجة البيئية فالسعداء واعون ولذلك يستخدمون ماينفعهم لا ما يرهم، أما التعساء فهم أقلّ وعيًا ولذا يستخدموم مايضرهم، والأمر الثاني: البرمجة البيئية، فالسعداء يقاومون البرمجة السلبية ويفحصونها، أمّا التعساء فهم يستخدموم ماتبرمجوا عليه ولذلك هم يستخدمون برمجة بيئية دون وعي ولا تمحيص.

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني

ch@olto.org