الأربعاء، 21 يناير 2015

القادة .. يولدون أم يصنعون؟


من مقالات الدكتور خالد محمد المدني

القادة .. يولدون أم يصنعون؟

والقيادة .. هل هي ولادة أم صناعة؟


اختلف علماء الإدارة قديماً ومازالوا مختلفين إلى يومنا هذا حول هذه القضية هل القيادة ولادة أم صناعة وهل هي فطرية أم مكتسبة؟ والمقصود هل القيادة تأتي من خلال الخبرة والتعلم والتجربة والتدريب؟ أم يولد الشخص وبه صفات القادة ويولد آخرون وليس لديهم هذه الصفات؟؟
سأحاول من خلال هذه التدوينة أن أجيب عن هذه التساؤلات ثم سأطرح في ختام التدوينة وجهة نظري التي سطرتها في أطروحتي بالدكتوراه الموسومة بعنوان:
"تصوّر مقترح لبرنامج تدريبي للقيادات الإداريّة التربويّة وفق الكفايات القياديّة اللاّزمة" (دراسة ميدانية من وجهة نظر المسؤولين التربويين بإدارة التربية والتعليم بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية)
بداية دعونا نستعرض آراء أشهر علماء الإدارة في هذا الإتجاه:
أولاً : من يرى من علماء القيادة أن القائد يولد ولا يصنع:
·      رأي أصحاب نظرية الرجل العظيم :
انطلق الخلاف من أصحاب نظرية الرجل العظيم والتي استندت إلى عناصر الوراثة والصفات الجسدية ورأى أصحاب هذه النظرية أن هناك من يولد وبه صفات لأن يكون قائداً وهناك من يولد وبه صفات لأن يكون تابعاً وتأثر أصحاب هذه النظرية إلى الاعتقاد الذي كان سائداً لدى الأقدمين والذي يقوم على أسطورة القائد البطل حيث يربط النجاح في القيادة بوجود قوى غير طبيعية يهبها الله للقائد.
·      رأي بيتر دراكر:
وهو من أشهر من تناول هذه القضية ولدراكر رأيين في صناعة وولادة القائد الأول فيهما يرى أن القائد يولد ولا يصنع ولا داعي لإضاعة الوقت في تدريبه بل يجب أن ينفق الوقت في التنقيب عن القيادات منذ الطفولة ورعايتهم وتأهيلهم ليكونوا قادرين على القيادة بمفهومها الحديث، وهذا نص رأيه:
(شخصيّة القائد .. أسلوب القيادة.. سمات القيادة..) كلها لاتوجد، فمن بين أعظم القادة تأثيراً من الذين عملت معهم حوالي نصف قرن رأيت قادة منزوين في مكاتبهم وآخرين اجتماعيين بشكل غير عادي، بعضهم وبالرغم من قلتهم طيبون وآخرون صارمون، بعضهم كان سريعاً متهوراً، وآخرون يدرسون ويتأمّلون كثيراً قبل أن يتخذوا قراراً نهائيّاً، البعض كان دافئاً وآخرون في منتهى البرود، بعضهم كان يتحدّث كثيراً عن عائلته والبعض الآخر لا يذكر أيّ شيء أبعد من المهمّة التي بين يديه.. كان بعض القادة تافهين بصورة مفرطة.. ولم يؤثر ذلك في أدائهم.. وبعضهم كان يتجاهل ذاته بشكل مفرط.. ومرّة أخرى لم يؤثّر ذلك في أدائهم، كان بعضهم صارماً في حياته الخاصّة كناسك في الصّحراء، وآخرون متفاخرين ومحبين للمتعة، يثيرون البهجة في كلّ فرصة، بعضهم كان مستمعاً جيّداً، ولكنّني عملت مع بعض المنعزلين الذين استمعوا لأصواتهم الداخليّة فقط، ومع ذلك كانوا من أشدّ النّاس تأثيراً، إنّ سمة الشخصيّة الوحيدة التي امتلكها النّاس المؤثّرين الذين قابلتهم عموما كانت (شيئاً لم يمتلكوه) كان لديه القليل ممّا يسمى، سحر القائد وجاذبيّته ولم يكن لديهم حاجة لاستعمال هذا المصطلح)، ثم عدل رأيه في آخر حياته ونشره في الكتاب الذي أخرجه أحد أنجب طلابه وهو فلاهرتي فقال: أن القادة ليسوا مولودين ولا مصنوعين بل هم عصاميين وفسر العصامية بالفعالية أي أن القائد قد يولد قائداً لكنه لايستثمر ذلك فالقائد شخص يصنع المستحيل ويتحدى التحدي وهذا سر العصامية وقد فسر لنا النابغة الذبياني معنى عامية القائد فقال:
نفس عصام ولّدت عصاما        وعلّمته الكرّ والإقدامـــا
                وصيرته ملكـــــــا همامـــــــا        حتى علا وجاوز الأقوامــا
ويوافق بيتر في هذا الرأي دي فريز الذي درس القادة في بيئاتهم التي عاشوا بها من خلال عيادته الخاصة بدراسة القادة أن نسبة معتبرة منهم طوروا الرغبة للقيادة لأنهم مروا بعدد من الصدمات المبكرة إذ يقول: (بسبب الصعوبات التي واجهوها فالكثير منهم يبدو وكأنه في مهمة ليبرهن أن العالم مخطئ وليظهر للجميع أنه يستطيع الوصول لنتائج مميزة، ولديه رغبة قوية جداً لرفع الظلم الذي وقع عليه في فترات مبكرة من حياته.
·      رأي بينيس:
وهو من أشهر علماء القيادة الذين أسسوا فكر القيادة الحديث فيقول:
لا تستطيع تعلم القيادة، القيادة شخصية وحكمة وهما شيئان لا يمكن تعليمهما.
ثانياً: من يرى أن القائد يصنع ولا يولد:
·      رأي جون كوتر:
يرى كوتر أن القيادة صناعة وليست ولادة وأن القائد يصنع ولا يولد قائدا فيقول:
(بعض الناس يعتقد أنّ تطوير العديد من القادة ميؤوس منه، فإنّك إما أن تولد قائد أو لن تصبح واحداً منهم على الإطلاق، فهم يقولون بأن أغلب الناس ليسوا قادة، حتى لو قبلنا بهذا الافتراض المتشائم والقول بأن شخصاً واحداً فقط من مئة يولد قائداً أو يحمل قيم القائد وإذا أخذنا في الحسبان بأن عددنا هو 5.7 مليار نسمة هذا يعطينا 60 مليون شخص بقدرات قيادية منذ الولادة، وستون مليوناً عدد كبير جداً! وإذا استطعنا تطوير المهارات سيكون لدينا الكثير من القادة لتوجيه المنظّمات في القرن الواحد و العشرين ذي التغير المتسارع).
·      رأي جيمس كوزيس وباري بوزنز:
يرى كوزيس وبوزنز أن القائد يمكن صناعته وتدريبه فيقولا:
(سنكون كاذبين أو مخادعين إذا لم نقل أنّ بعض الأفراد لديهم احتمالات نجاح في القيادة أكبر بشكل واضح من غيرهم وهذا لايعني أنّ الأفراد العاديين لايمكنهم أن يكونوا قادة استثنائيّين)
·      رأي المدرسة الحديثة للقيادة:
من أشهر من يمثل هذه المدرسة هو ستيفن كوفي حيث ترى هذه المدرسة أن القيادة وبروز القائد تعتمد على الثقافة وهو رأي شريحة لا يستهان بها من علماء القيادة فهناك ثقافتين ثقافة تشجع على التقوقع و الإنزواء وهي ثقافة عادة لا تشجع على ظهور القيادات حتى لو كانت موجودة وامتلك القائد صفات القيادة الفطرية فالبيئة والنظام الذي يتواجد فيه القائد تحاربه وتقمعه، وهناك ثقافة تشجع على الإبداع والتحفيز وهذه الثقافة هي التي تنتج القيادات، وأرى أن عدد غير قليل من القادة خرجوا من بيئات محبطة ومحطمة بل ومحاربة ومع ذلك صنعوا أنفسهم بأنفسهم.
·      رأي الطرفين والوسط:
هناك رأي لبعض علماء القيادة يقول أن فئة قليلة نسبتها 1% تكون القيادة عندها فطرية وفئة أخرى لا تصلح للقيادة ونسبتها أيضا 1% وأما معظم الناس ونسبتهم 98% فيستطيعون اكتساب القيادة بنسب مختلفة تبدأ من 2% إلى 98% يتفاوتون حسب صفاتهم الشخصية وكفاءاتهم المعرفية والأدائية لكن هذه الفئة لن تستطيع أن تكون كمن خلقت معهم بالفطرة وأنا أميل لهذا الرأي وأضيف عليه فأقول أن القيادة من وجهة نظري ثلاثة أثلاث فالثلث الأول معرفة والمعرفة يمكن تعلمها والثلث الثاني مهارة والمهارة يمكن إتقانها والثلث الثالث وجدان وهو الأصعب في الإكتساب، فيسعني القول أن:
(ثلثي القيادة مكتسب وثلثها الثالث فطري)

د.خالد محمد المدني
خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة
رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO.
دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا
للتواصل مع الدكتور خالد المدني