الاثنين، 31 أغسطس 2015

انتبه !! قبل أن يتحدث جسدك (4) / الدكتور خالد بن محمد المدني



من مقالات الدكتور خالد محمد المدني

تنمية الإنسان عقلاً وروحاً وجسداً



تحدثنا في التدوينة السابقة عن تاريخ علم النفس في دراسة علاقة الروح والعقل من جهة بجسد الإنسان من جهة أخرى وكيف يؤثر كلاًّ منهما بالآخر، ونواصل اليوم الحديث عن هذا الموضوع بتفصيل أكثر..
ـ خلاصة ماتلتقي عليه المدرسة المعرفية والواقعية: "أن مايفكّر به الإنسان ويشعر به وينفعل له ويدركه على المستوى الشعوري هو الذي يشكل تصوراته للحياة ويصوغ عقائده وقيمه ويوجه تصرفاته الخارجية السوية منها والشّاذّة"، ويختلفون في الإجراءات.
ـ بالرغم مما توصل إليه الغرب في علم النفس وهو نتاج ضخم وذو قيمة ولا ننكره فهم آباء علم النفس إلا أننا نقول أن علماء الإسلام سبقوا ذلك بكثير فكتبوا في الفكر وأصّلوا فيه كلاماً أعتبره أعمق وأرسخ قدماً مما كتبه علماء النفس الغربي، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه القيّم مفتاح دار السعادة: "الفكر هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلّها وهو من أفضل أعمال القلوب وأنفعها".
ـ  بل إن ابن القيم فصّل القول في الخواطر والأفكار التي تدور في الذهن قبل أن تولد شهوةً ودافعاً تزداد قوة حتى ينفّذها الفرد بالفعل في واقع الحياة فإن نفّذها وكرّرها أصبحت عادة.
ـ فصّل علماء الإسلام كذلك في استمرار النشاط الفكري الداخلي للإنسان هذا النشاط الذي لايتوقف عن العمل في أي لحظة من حياة الفرد وقدموا خالص النصح لمن أراد أن تكون أفعاله خيرة أن يراقب أفكاره وخواطره وأن يديم ذكر الله والتأمل والتفكر في خلق السموات والأرض لأن الخواطر والأفكار إن ظهرت فستتبعها الأقوال والأعمال.
ـ الإبداع  الفعلي لعودة علم النفس كانت على يد وليم جلاسر الذي أسس للمدرسة الواقعية  التي أكدت على أن هناك حدثاً خارجياً وأنّ هناك رد فعل تجاه هذا الحدث ورد الفعل هذا ليس نتيجة الحدث الذي حصل في البيئة الخارجية بل بسبب الصورة الذهنية المتشكلة في دماغ الإنسان فرد الفعل ليس بناء على الواقع بل المتوقع أي بناء على التمثيل الذي نشأ في الذهن
وأشبه ماذكره وليم  جلاسر بعملية التصوير فكأن الدماغ يلتقط صورة للحدث الخارجي الذي حدث أمامه  هذا هو التفاعل الأول بين الحدث والدماغ وبعد أن يلتقط صورة للحدث وتمر عبر الفلاتر النفسية التي منها القيم والمعتقدات والمستوى الثقافي...الخ  يحصل التفاعل الثاني وهو التفاعل بين الدماغ والصورة الملتقطة، ثم يصدر  ردة الفعل وبناء عليه يقول جلاسر أن السلوك الصادر ليس بناء على الحدث الخارجي بل بناء على الصورة الذهنية التي تكونت والصورة الذهنية هي التفسير الذي قام به الفرد تجاه الحدث الخارجي الذي وقع له باختصار أستطيع تلخيص  نموذج وليم جلاسر كما يلي:
(1)
حدث خارجي
(2)
تمثيل ذهني ( تفسير للحدث الخارجي)
(3)
انفعال
(4)
فسيلوجيا
(5)
فعل (سلوك)
فأولاً يحدث الحدث ثم يلتقط الدماغ صورة للحدث وهذا هو التفاعل الأول وهنا يكون التفسير قد حصل ثم يحدث الإنفعال ثم يستجيب الجسد لهذا الإنفعال بضربات القلب ونبض الدم ثم يصدر الفعل الذي هو السلوك، والسلوك الصادر ليس بناء على الحقيقة في الخارج بل على التمثيل الذهني في الداخل وبسبب التعاقب السريع بين التفاعل الأول والثاني لتكوين صورة للحدث يظن الشخص أنه غير موجود لأنه لايستطيع ملاحظته.
 يتبع...

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني

ch@olto.org

الأربعاء، 19 أغسطس 2015

انتبه .. قبل أن يتحدث جسدك (3) / الدكتور خالد بن محمد المدني




من مقالات الدكتور خالد محمد المدني

تنمية الإنسان عقلاً وروحاً وجسداً


تحدثنا في التدوينة السابقة عن علاقة العقل والروح بالجسد، ونواصل في هذه التدوينة الحديث عن طبيعة هذه العلاقة الوثيقة
ـ هناك عقلاً يتحكم في هذا الدماغ وقد ذكر ذلك عالم الأعصاب المشهور ECCLES الحائز على جائزة نوبل لأبحاثه القيمة في الجهاز العصبي إذ يؤكد هذا العالم أنه لايمكن تفسير المعلومات التي توصّل إليها الباحثون عن نشاط الدماغ الإنساني والجهاز العصبي إلا بوجود عقل أو نفس مدركة تحكم النشاط العصبي والسلوكي للإنسان ويشبه هؤلاء العلماء الدماغ بجهاز التلفزيون والعقل بمحطة الإرسال فإن حصل عطب في التلفزيون تشوهت الصورة التي ينقلها أو تختفي بالمرة، يقول يوتال في كتابه القيم  The Psychobiology Of The Mind:
"إن جميع الكشوفات والأبحاث الحديثة في التعرف على عمل الدماغ الإنساني لم تساعدنا في حل عقدة الإنسان التاريخية عن صلة جسمه بعقله بل إن هذه المعلومات لم تزد على أن بدلت من تفاصيل المسائل المطروحة عن هذه المعضلة بأسئلة أخرى وأن الأسئلة الجوهرية التي طرحت في أيام أرسطو منذ أكثر من ألفي عام مازالت تنتظر الإجابة الشافية".
ـ ومع ذلك نستطيع الجزم بأنّه بالرغم من هذا التعقيد استطاع علماء النفس المعرفي التعرف على كثير من خفايا النشاط الفكري والعقلي الداخلي للإنسان وصلته الدقيقة باللغة، كذلك استطاعوا مع علماء الحاسبات الإلكترونية وضع برامج مبسطة لتوضيح الأساليب التي يستخدمها العقل البشري في تصنيف المعلومات.
ـ المفاجأة المذهلة في علم النفس جاءت من علماء النظرية النسبية اللغوية على يد WHORF الذي اعتبر أن خصائص اللغة التي تتحدثها جماعة معينة هي التي تحدد وسائل  تفكير تلك الجماعة وتصورها للواقع الذي تعيش فيه، أي أن التركيب اللغوي وخصائص اللغة الأخرى عاملاً أساسياً في الطريقة التي يتصور بها المجتمع حقائق العالم الذي يعيش فيه "لا الصورة الذهنية الجمعية".
ـ استطاع علماء النفس المعرفي بعدّ مجموعة ضخمة من الأبحاث مع علماء الحاسبات الآلية وضع برامج لدراسة قدرة الإنسان على تحليل وتصنيف واختزان واسترجاع المعلومات عند الحاجة إليها، قاموا بعمل أبحاث دقيقة للتعرف على بعض الخطوات التي يستخدمها الإنسان في التفكير وحل المشكلات، ووضعوا على أساسها البرامج التي تحاكي النشاط المعرفي للإنسان.
ـ هذه الأبحاث كشفت كثيراً من الجوانب التي كان السلوكيون يعتبرونها صندوقاً مغلقاً لاسبيل للوصل إلى ما بداخله  كما أتت بكثير من النظريات والتفسيرات التي أعجزت التصور الساذج لسيكلوجية الإرتباط بين المثير والإستجابة وفتحت كوة للأخصائي النفسي المسلم للتعرف على أهمية عبادة التفكر وما يصاحبها من نشاط معرفي عقلي داخلي.
ـ مجمل هذه الدراسات كشفت عن حقيقة واحدة هي:
"مايفكر به الإنسان هو الذي يؤثر على معتقداته وسلوكه فإن كان تفكيره في صنع الله ونعمه كان ذلك سبباً في ارتقاء إيمانه"
ملخّص آراء المدرسة المعرفية نلخصه فيما يلي:
1 ـ ركّز علماء النفس المعرفيين في علاجهم على تغيير التفكير الشعوري عند الإنسان أي النشاط الفكري الذي يسبق عادة الإستجابات الإنفعالية.
2 ـ الإنسان لايكف مطلقاً في أي لحظة من لحظات الليل والنهار عن النشاط الفكري سواء شعر به أم لم يشعر؟
3 ـ النشاط الفكري الداخلي للإنسان سواء شعر به أم لم يشعر به هو الذي يوجه سلوكه وتصرفاته الخارجية، وهذا الإستنتاج الذي توصّل إليه علم النفس حديثاً يؤكد صدق ماقرّره الإسلام من أنّ التفكّر في خلق الله هو العمود الفقري للإيمان الذي ينبثق عنه كل عمل خير.
جاءت بعد ذلك المدرسة الواقعية لوليم جلاسر وهي امتداد للمدرسة السلوكية لكنها أعمق منها بكثير وأخذت بعض أفكار المدرسة المعرفية وأبرز فكرة جاءت بها هي:
1 ـ أن كل عمل يبدأ بنشاط معرفي داخلي كخاطرة أو تخيّل أو إدراك حسّي أو انفعال ( تمثيل ذهني). 
2 ـ هذا النشاط  المعرفي إذا ازدادت قوته أصبح دافعاً للسلوك Motive وإذا قام  الفرد بهذا السلوك المدفوع وكرره فإنّ الأفكار الداخلية حينئذ تكتسب القدرة على الإتيان بهذه الأعمال بطريقة تلقائية حتى تصبح عادة متأصّلة فإذا أراد الأخصائي النفسي المعرفي علاج هذه العادة فعليه أولاً أن يغير من الأفكار الداخلية والشعورية التي تأتي بها.
يتبع...

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني

ch@olto.org