الأحد، 20 نوفمبر 2016

صناعة الأسرة (6) / الدكتور خالد بن محمد المدني


من مقالات الدكتور خالد محمد المدني 

  

كيف تبني أسرة إيجابية وسعيدة؟ (6)


مازلنا نتحدث عن مؤشرات الأسر السوية وفي إشراقات فرجينيا ساتير حول هذا الموضوع وفي هذه التدوينة نواصل الحديث عن هذه المؤشرات:
تقول ساتير: "البعض قد يتهكم على الصورة التي رسمتها للأسر السوية ويقولون إنه لمن غير الممكن أن تعيش أسرة هكذا، لقد اعتدنا المعيشة غير السوية للأسر لدرجة جعلتنا نفكر أنه لا توجد طريقة أخرى، أقول لهؤلاء أنه تسنى لي عظيم الشرف لمقابلة عائلات سوية كثيرة بشكل وثيق لذا فذلك ممكن، وقلب الإنسان دائماً يبحث عن الحب".
 البعض ربما سيحتج ويقول أنه لا يوجد وقت لتعديل كافة جوانب الأسرة، أقول لهؤلاء إن نجاتهم تعتمد على ذلك، إن الأسر المضطربة تصنع أشخاصاً مضطربين وبالتالي نساهم في الحط من قيمة الذات والذي يلعب دوراً في الجريمة، الأمراض العقلية، إدمان الكحول، إدمان المخدرات، الفقر، نفور الشباب، الإرهاب، والعديد من المشكلات الاجتماعية، أن نعطي لأنفسنا المبادرة الكاملة لجعل العائلة موطناً لنمو الأفراد المتصفون بالإنسانية مسبقاً سينعكس في جعل العالم أكثر أمناً وإنسانية، نستطيع أن نجعل الأسرة مكانا حقيقيا لتطوير الناس، إذ أن كل فرد منّا هو اكتشاف بحد ذاته وكل فرد منّا يستطيع أن يحدث فرقاً.
كل الّذين امتلكوا يوما منصبا مؤثراً وذو نفوذ كانوا يوماً أطفالاً، الطريقة التي يتعاطى بها هذا الإنسان مع هذه القوة وهذا النفوذ يعتمد اعتماداً كبيراً على الطريقة التي نشأ بها وتعلم عليها لدى عائلته عندما كان صغيراً، عندما نساعد العائلات المضطربة ليكونوا عائلات سوية ونساعد العائلات السوية ليرتقوا أكثر بأنفسهم فإن كل فرد متأثر هنا ارتقى بإنسانيته سيندرج يوماً ما تحت جهاز حكومي ومدرسة وتجارة ودين ومن ثم جميع المؤسسات التي تنضم جودة حياتنا،
لدي قناعة تامة أن جميع العائلات المضطربة بإمكانها أن تكون عائلة سوية، أغلب المؤثرات التي تسبب الاضطراب في العائلات يتم تعلمها بعد الولادة، وبما أنه يتم تعلمها فبالإمكان التخلص منها، واستبدالها بما هو عكسها ولكن السؤال المهم - كيف؟.
     أولاً - تحتاج أن تتعرف على عائلتك ما إذا كانت أحياناً أسرة مضطربة.
     ثانياً ـ عليك أن تسامح نفسك عن أخطائك الماضية لتعطي نفسك فرصة التغيير وتعلم أن أموراً بالإمكان أن تكون مختلفة.
    ثالثاً ـ قرر فوراً أن تحدث تغييراً.
    رابعاً ـ اتخذ بعض الإجراءات لتبدأ عملية التغيير.
عندما تبدأ برؤية ملامح ومواصفات العائلة المضطربة بوضوح أكثر، سيساعدك ذلك في إدراك أنه مهما حدث في الماضي من متاعب فإنها تمثل أفضل ما كنت تعرف بذله في ذلك الوقت، لا يوجد هناك أدنى سبب لأي أحد للشعور بالذنب أو لوم الآخرين في العائلة.
الأسباب التي أدت لتلك الآلام أن تحدث للأسرة ليست معروفة لكم جميعاً ليس بسبب أنكم لا تريدون أن تروها ولكن إما لأنكم لا تعرفون أين تبحثون؟ أو لأنكم تعلمتم أن تروا الحياة من خلال عدسات ذهنية تمنعكم من الرؤية.
في التدوينة القادمة بإذن الله سنتحدث عن هذه العدسات ونبدأ بالتخلص منها لترى مباشرة تلك الأشياء التي تسبب الألم أو المتعة في حياة العائلة ولنبدأ أولاً بتقدير الذات.
فرجينيا ساتير بتصرّف ـ تعديل وإضافة د.خالد بن محمد المدني
حاصل على دبلوما العلاج الأسري من هيئة المعادلات الدولية ـ الإنتل باس
.. يتبع ..

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO.

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني

ch@olto.org

 

الأحد، 13 نوفمبر 2016

صناعة الأسرة (5) / الدكتور خالد بن محمد المدني


من مقالات الدكتور خالد محمد المدني 

  

كيف تبني أسرة إيجابية وسعيدة؟ (5)

مازلنا نتحدث عن مؤشرات الأسر السوية وفي إشراقات فرجينيا ساتير حول هذا الموضوع وفي هذه التدوينة نواصل الحديث عن هذه المؤشرات:
الوالدان في الأسر السويّة ينظرون إلى أنفسهم أنهم قادة ملهمون وليس رؤساء متسلطون، دورهم في المقام الأول أن يعلّموا أبنائهم بأن يتصفوا بالإنسانية عند أي ظرف كان، يسلمون لأبنائهم اجتهاداتهم الخاطئة وكذلك اجتهاداتهم السليمة، يتقبلون آلامهم وغضبهم وخيبة آمالهم كما يتقبلون مرحهم ودعابتهم، وإن هؤلاء الوالدين تتطابق أفعالهم مع أقوالهم، قارن ذلك بالأسر المضطربة الذين ينصحون أبنائهم بعدم إيذاء بعضهم البعض ولكنهم يصفعونهم عندما يغضبون،
الوالدان هم بشر و ليسوا قادة بالسليقة عند أول طفل، هم تعلموا أن القادة الجيدون هم من يهتمون بأوقاتهم ، تجدهم يتحينون الفرص ليتحدثوا مع أبنائهم عندما يجدون وقتا للحديث، وعندما يسيء أحد أطفالهم تجد الأم أو الأب يتحركون قريبا منهم لدعمهم، وهذا يساعد الطفل المسيء أن يتجاوز خوفه وشعوره بالذنب ويقدم أفضل ما يستطيع مما تعلم من والديه، تروي فرجينيا ساتير هذه القصّة: " مؤخرا رأيت أمّا من أمهات العائلات السوية تعاملت مع موقف عائلي مزعج حصل لها بكل مهارة وإنسانية، لاحظت تلك الأم أن ابنيها وهما في سن الخامسة والسادسة يتشاجران بكل هدوء فصلت الولدان وأخذت بيد كل واحد منهما وأجلستهما بجانبيها وهي في المنتصف، طلبت منهما وهي مستمرة في مسك أيديهما أن يحكوا ما جرى واستمعت باهتمام للأول ثم الثاني كل بدوره، ومع بعض الأسئلة لهما استطاعت أن تلتقط بأناة أطراف المشكلة، الطفل ذو الخمس سنوات قد أخذ نقودا من خزانة أخيه الطفل ذو الست سنوات، وفي الوقت الذي بدأ الأخوان يتكلمان مع الأم عن ألمهما وحقهما المسلوب هيئت الجو لتواصل جديد مع بعضهما وأرجعت النقود لمالكه الحقيقي ومهدت الطريق للأخوين لكي يتعاملوا مع بعضهما بشكل أفضل "، الوالدان في الأسر السوية يعلمون أن أبنائهم ليسوا سيئين بطبعهم، وإذا أساء أحد الأبناء بشكل كارثي سيدرك آباءهم أن هناك خطأ بالفهم لا شك موجود أو أن تقدير الذات لأحدهم منخفض ، فهم يعلمون أن الناس يتعلمون فقط إذا كانوا يقدّرون أنفسهم و يشعرون بالتقدير من قبل الآخرين، لذا فإن  استجاباتهم السلوكية لا تكون بطريقة تصيب الآخرين بانخفاض في تقدير الذات حتى لو كانت هناك فرصة لتغيير سلوكيات الآخرين بالعقاب أو الإخجال فالنتائج حتى لو كانت ناجعة فإنها تترك ندوبا من الصعب شفائها، عندما يراد تصويب سلوك طفل ما كما يراد لأي طفل في وقت ما، الأسر السوية تعتمد على الوضوح في أدائها: طلب معلومات الإنصات اللمسة التفهم اختيار الوقت المناسب والوعي بانتباه لمشاعر الطفل ورغبته الطبيعية بالتعلم والإرضاء. هذه الأمور جميعا تساعدنا لكي نكون معلمين فاعلين، الأطفال يقتدون بالسلوكيات المباشرة للبالغين ، التربية الأسرية غالبا من أصعب الوظائف في العالم، ويشبه ذلك دمج شركتين كبيرتين بكافة مواردهما الضخمة من أجل الحصول على منتج واحد، فالصداع الناتج عن هذه العملية يظهر عندما يشترك رجل وامرأة ليتوليا إدارة دفة أسرة بها أطفال من الرضاعة وحتى البلوغ، فالأسر السوية يدركون أن المشكلات تأتي تباعا وببساطة الحياة قدمت هؤلاء الأطفال لهم وسيكونون متيقظين بحلول خلاقة  لأي مشكلة طارئة قد تظهر. في الجانب الآخر، فالأسر المضطربة يحشدون طاقتهم في محاولات يائسة لمنع المشكلات من الحدوث ، بالطبع هم يفعلون ذلك دائما وعندما تحدث المشكلات لا توجد لديهم موارد لحلها،
      الأسر السوية يدركون أن التغيير هو شيء حتمي، الأطفال ينتقلون بسرعة من مرحلة عمرية لأخرى، فالأطفال الأسوياء لا يتوقفون عن النمو والتغيير والعالم حولنا لا يتوقف أبدا ، هم يتقبلون التغيير كجزء من حياتهم ويحاولون استثمار ذلك التغيير لجعل أسرهم أكثر نموا.
والآن: هل تستطيع التفكير في أسر سوية ولو على الأقل  لوقت ما ؟ هل تستطيع أن تتذكر أسرتك وقد مر عليها وقت كان بالإمكان أن يطلق عليها أسرة سوية؟ كيف كان شعورك وقتها؟ هل تلك الأوقات تحدث بشكل مكرر؟.
فرجينيا ساتير بتصرّف ـ تعديل وإضافة د.خالد بن محمد المدني
حاصل على دبلوما العلاج الأسري من هيئة المعادلات الدولية ـ الإنتل باس
.. يتبع ..

د.خالد محمد المدني


خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة


رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO.


دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا


للتواصل مع الدكتور خالد المدني



ch@olto.org


الأحد، 6 نوفمبر 2016

صناعة الاسرة (4) / الدكتور خالد بن محمد المدني




من مقالات الدكتور خالد محمد المدني 

  

كيف تبني أسرة إيجابية وسعيدة؟ (4)

في هذه التدوينة والتدوينات القادمة سأتحدث بإذن الله  حول العلاقات الأسرية وسأعتمد على منهج الرائدة في العلاج الأسري فرجينيا ساتير التي بذلت جهوداً كبيرة في التأصيل والبحث لتطوير وعلاج المشكلات التي تعاني منها الأسر..
تواصل فرجينيا ساتير إشراقاتها في صناعة الأسرة وفي هذه التدوينة سنتحدث عن مؤشرات الأسر السوية والأسر المختلّة تقول ساتير:
كيف تجد الفرق عندما تعيش مع أسرة سوية، أستطيع استشعار الحياة النشطة لديهم، تجد فيهم الأصالة والصدق والحب، أستطيع أن أستشعر القلب النابض والروح الحية مع حضورهم وتواجدهم، الأسر السويّة تبرز مشاعرها للحياة كالحب والحكمة والاحترام، أشعر أنني إذا عشت في مثل هذه الأسر سوف ينصت لي وسوف أستطيع أن أنصت للآخرين كذلك، وسوف ألتفت لنفسي وألتفت للآخرين كذلك، أستطيع أن أعبر عن ما يجيش في داخلي من ألم أو استنكار وأن أحاول وأخاطر ولا يجد الخوف سبيلا إليَّ لأن الجميع في عائلتي يدركون أنه لا بأس أن أخطئ لأن الخطأ قرين العمل وأن الخطأ هو علامة نضجي وتطوري ، سأشعر أنني حرة لا مقيدة، مقدرة ومحبوبة، مما يجعلني أتلطف وأقدر وأحب الآخرين، وسأتمكن من الاستجابة للدعابة والنكتة في السياق المناسب.
يمكن للمختص وغير المختص في الواقع أن يرى ويستشعر حيوية هذه الأسر، حضورهم لبق، وجوههم مرتاحة، ينظرون تجاه بعضهم البعض وليس خلال بعضهم البعض أو إلى الأسفل، صوتهم حيوي وواضح، لديهم تناسق وتناغم مع بعضهم البعض، الأطفال بل وحتى الرضع يبدون منفتحين وودودين وبقية أفراد العائلة يعاملونهم بأن لهم اعتبار.
إن البيوت التي تعيش فيها هذه الأسر تميل إلى أن تجد فيها الكثير من الإضاءة والألوان، بمعنى آخر هو مكان يعيش فيه الأسوياء ، هذه البيوت صمّموها أهلها خصيصا لراحتهم ومتعتهم وليست فقط كمظاهر أمام الأقارب والأصدقاء والجيران.
عندما يحل الهدوء، فهو الهدوء المريح، وليس هدوء الخوف والحذر، وعندما يحل إزعاج ما، فهو صوت النشاط المبرر والهادف، وليس صوت الرعد الذي يغرق كل شيء حوله، كل فرد من أفراد العائلة في الأسر السويّة يعلم في قرارة نفسه أن صوته مسموع ولديه الفرصة للحديث، وإذا لم يحن دور أحدهم للحديث فهو بسبب أنه لم يكن هناك وقت وليس بسبب أنه غير محبوب.
      الأفراد في الأسر السويّة يبدون مرتاحين لأن يلمسوا بعضهم بعضا وأن يظهروا مشاعرهم لبعضهم البعض بغض النظر عن العمر، إنّ الحب والاهتمام لا يعبر عنهما برمي القمامة، وطبخ الطعام، وإحضار المشتريات من البقالة، بل يعبر عن الحب والاهتمام بالحوار بانفتاح والإنصات باهتمام، وأن تكون واضحاً ومباشراً لبعضكم البعض وببساطة هو أن تكونوا معاً.
أفراد الأسر المستقرة يشعروا بحرية لكي يعبروا عن مشاعرهم لبعضهم البعض، كل شيء متاح للمناقشة: الخوف، الألم، الغضب، خيبة الأمل، الانتقاد، بالإضافة إلى المرح والإنجازات، فإذا لم يكن أبّ الأسرة في مزاج جيد لأي سبب من الأسباب، فالطفل هنا وبكل حرية يقول لأبيه (عجباً أبي لماذا أنت عابس الليلة؟)، الطفل هنا عبر عن ما رآه دون أن يلجمه الخوف من أبيه أن يرد عليه بقولــــــه مثلاً (كيف تجرؤ على مخاطبة أبيك بهذا الشكل؟)، بالعكس بل بإمكان الأب أن يكون صريحــــاً كذلك ويقول:
(معك حق فقد مررت بفترة مزعجة اليوم)، لو كان للأسرة السوية خطة ما وحصل أن تعطلت لأي سبب كان، فإن لديهم القدرة على التكيف مع الوضع الجديد بكل طيب نفس ممزوجة ببعض الدعابة، بهذه الروح بإمكانهم أن يتعاطوا مع مشاكل الحياة دون تشنج أو هلع.
لنفترض أن طفلا أسقط كأسا زجاجيا على الأرض، في الأسر المضطربة مثل هذه الحادثة قد تأخذ نصف ساعة من المحاضرات التأديبية مع ضربة في المؤخرة ودموع، بينما في الأسر السوية أقصى شيء هو تعليق أحد الوالدين:( أوه عمّار لقد كسرت الكأس، هل جرحت نفسك؟ سأحضر لك ضمادة ثم بإمكانك أن تحضر مكنسة وتكنس بها القطع الصغيرة، وسأحضر لك كأسا جديدة)، وإذا لاحظ أحد الوالدين أن ابنهم عمّار قد أمسك الكأس بيد واحدة لربما أضاف تعليقا يقول فيـه (أعتقد أن الكأس سقط لأنك لم تمسكه بيديك الاثنتين)، وبالتالي الحادثة استغلت كفرصة للتعلم - والتي ترفع من مستوى قيمة الطفل لنفسه - بدلا من استعمال العقــــــاب الذي يقلل من قيمـة الطفل لنفسـه، فهناك رسالة مخفية يلتقطها أفراد العائلة السوية مفادها أن حياة الإنسان ومشاعره هما أهم من أي شيء آخر.
فرجينيا ساتير بتصرّف ـ تعديل وإضافة د.خالد بن محمد المدني
حاصل على دبلوما العلاج الأسري من هيئة المعادلات الدولية ـ الإنتل باس
يتبع ..

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO.

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني