الاثنين، 9 فبراير 2015

كيف نتعامل مع أحداث الحياة (2)



من مقالات الدكتور خالد محمد المدني

كيف نتعامل مع أحداث الحياة

 

نستمر في العدد الثاني من تدوينة الإنسان وأحداث الحياة في الحديث عن وظيفة العقل تجاه الحدث الذي يحصل أمامنا سارّاً كان أم مؤلماً.
وظيفة العقل تجاه الحدث التقاط الصورة فالدماغ له تفاعلين الأول التفاعل الذي يحصل عند حدوث الخبرة والثاني التفاعل الذي يحصل عند التقاط الصورة الذهنية فالأول خارجي مرتبط بالحدث وأما الثاني فهو داخلي لا علاقة له بالحدث إنما علاقته بالصورة الذهنية التي تكونت وهو الأخطر ورد الفعل الصادر من الفرد له علاقة بالصورة المتشكلة وليس الواقع الأصلي.
كل ما يجري حولنا من كسب أو فقدان، ربح أو خسارة، نجاح أو رسوب، زواج أو طلاق يسمى حدث وهو محايد وعقلك لا يتفاعل معه مباشرة إنما يتفاعل معه على أساس تكوين فكرة أولاً عنه أو تشكيل معنى للحدث.
التفاعل مع الحدث لا يتم إلا بناء على تكوين الصورة الذهنية (الفكرة) التي التقطها الفرد عن الحدث فالتقاط الصورة الذهنية هو أساس التفاعل مع الحدث فالفرد عندما يقع له حدث فهو أولاً يشكل له معنى في عقله أو يفسره حسب معاييره الشخصية.
اختلافنا في ردود الأفعال ليس مبني على معطيات الواقع إنما بناء على الصور الذهنية الملتقطة فإذا التُقطت في حالة انفعال شديد حصل التفاعل وبالتالي التأثّر والتألّم.
الصورة الملتقطة إذا كانت غير صحيحة أحدثت اختلالاً سلوكياً فكرياً أو نفسياً أو جسدياً أو حركياً ومن صور الاختلال الفكري شرود الذهن وضعف التركيز ومن صور الاختلال النفسي الغضب والتوتر و الانهيار ومن صور الاختلال الجسدي الآلام التي لا مبرر لها طبياً كآلام المعدة والقولون والحساسية الجلدية ومن صور الاختلال الحركي فقد القدرة على السيطرة على الجسد فالحركة الزائدة صورة من صوره وعندها يبدأ الفرد في البحث عن طريقة لإعادة التوازن من خلال البحث عن حل أي استجابة سلوكية تجاه الصورة الذهنية التي تكونت فرد الفعل (الاستجابة) لا علاقة لها بالواقع(الحدث) بل بالصورة المتشكلة في الدماغ وهذه حقيقة هامة يجب أن يعيها الجميع.
إعادة التوازن تكون تجاه الصورة التي تشكّلت وليس الحدث الذي حصل فالأحداث تحمل صفة الحياد والذي يلوّنها ويصبغها ويكبّرها ويصغّرها تفسير الفرد لها.
هناك فروقات فردية بين الأفراد في طرق التقاطهم الصور الذهنية وطرق الاستجابة هذا الاختلاف هو ما نطلق عليه مرشحات الإدراك أو الفلاتر النفسية والتي منها المعتقدات والقيم والذاكرة العميقة والمستوى الثقافي و الاجتماعي...الخ.
أنت كإنسان محصّن ضدّ كل المشكلات الخارجية زوّدك الله بالوعي والإدراك والعقل فالله أعطاك الحصون لكنك أنت من يفتح حصونه من الداخل لتلك المشكلات فتخترق كيانك فتنهار أمام أحداث الحياة.
الحصون التي تمتلكها والتي زودك الله بها لا تعدّ ولا تحصى فمنها على سبيل المثال الحصن الروحي وهذا يبنى بالتقوى والتوكل على الله وحسن الظن به والصلاة على وقتها والدعاء بإخلاص وصدقة السر وسأضرب مثالين للدعاء الأول من عهد السلف والثاني من العصر الحديث:
لما ولّى الحجاج بن يوسف الثقفي العراق وزاد طغيانه وتجبره، وقف الحسن البصري وكذلك الكثير من علماء عصره في وجهه، وتصدوا لقبيح أفعاله نرى ذلك عندما بنى الحجاج لنفسه بيتاً وقصراً مشيداً في واسط بينه بين البصرة والكوفة فلما انتهى من بنائه أراد للناس أن يخرجوا إليه ليشاهدوا بهرجته وروعته، فلما علم الحسن بذلك وجدها فرصة سانحة ليخرج إلى هذا الجمع الغفير من الناس فيعظهم ويذكرهم ويصرفهم عن تلك الزخارف المزيفة إلى روعة ما عند الله وكماله وبقائه،ويعظهم ألا يغتروا ببهجة الحياة الدنيا فلما خرج إليهم ورآهم يطوفون بذلك القصر المشيد مندهشين بروعة بنائه وقف فيهم خطيباً وقال:
(لقد نظرنا فيما أبتنى أخبث الأخبثين، فوجدنا أن فرعون شيد أعظم مما شيد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، وآتى على ما بنى وشيد، ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرّوه).
ومضى على هذه الطريقة يفضح الحجاج، حتى أشفق عليه الحاضرون فقال قائلهم: حسبك يا أبا سعيد، حسبك، فقال له الحسن: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه وفي اليوم التالي آتى الحجاج مجلسه وهو يشتاط غيظاً من الحسن وقال لجلسائه: (تباً لكم وسحقاً، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه!! والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء), ثم أمر بالسيف والنطع فأحضرا، ودعا بالجلاد فمثل واقفاً بين يديه، ثم أمر الشرط أن يأتوا به، فجاءوا بالحسن فارتجفت له القلوب خوفاً عليه, فلما رأى الحسن السيف والنطع والجلاد تحركت شفتاه، ثم توجه إلى الحجاج في عزة المؤمن الواثق بربه والذي يخشاه ولا يخشى أحداً إلا الله، وما أن رآه الحجاج حتى هابه ووقره وقال: ها هنا يا أبا سعيد، ها هنا, ثم مازال يوسع له ويقول: ها هنا والناس يندهشون للموقف، حتى أجلسه على فراشه وأخذ يسأله عن بعض أمور الدين، ويجيبه الحسن بعلمه الفياض ومنطقه العذب وهو ثابت صلب فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد, ثم طيب له لحيته بأغلى أنواع الطيب وودعه ولما خرج تبعه حاجب الحجاج وقال له: يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك، وأنا رأيتك عندما أقبلت، ورأيت السيف والنطع، حركت شفتيك فماذا قلت ؟
قال الحسن: لقد قلت: "يا ولى نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته برداً وسلاماً عليَّ كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم"
استعمل الحسن البصري حصناً واحداً وهو الدعاء فلم يستطع عبد فقير وهو الحجاج الظالم أن يخترقه.
والموقف الثاني هو لأحد علماء حماة في سوريا عندما قام الأحمق رئيس سوريا الأسبق أمين الحافظ بمحاصرة حماة تمهيداً لضربها وقتل أهلها فانبرى له أحد علماء حماة وذهب لملاقاته وعندما طلب أمين الحافظ ليلتقي معه استهزأ به وقال له باللهجة الشامية: فوتوا هاالرجعي يعني أدخلوا هذا المتخلف فلما دخل عليه هذا العالم بوقار وهيبة العالم اقترب على أمين الحافط ووقف وقال له بلهجة أهل الشام: آمرني شيخي فقال له: عار أن تقصف حماة في عهدك اسحب الجيش فوراً فقال له أمرك وفك الحصار عن حماة ولم يضربها وحمى الله هذا العالم وأهل حماة من هذا الظالم لأن لديه حصن التوكل على الله وحده فوقاه وهناك حصن نفسي وآخر عقلي وثالث جسدي سأتحدث عنها في تدوينة لاحقة بإذن الله.
يتبع...

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO.

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني

ch@olto.org