الخميس، 12 فبراير 2015

كيف نتعامل مع أحداث الحياة (3)



من مقالات الدكتور خالد محمد المدني

كيف نتعامل مع أحداث الحياة

نستمر في العدد الثالث من تدوينة الإنسان وأحداث الحياة في الحديث عن مسيرة الإنسان في هذه الحياة.
مسيرتك في الحياة منذ الولادة إلى الوفاة هي مجموعة من التفاعلات مع الأحداث أولاً، والصور الذهنية ثانياً.
هدف هذين التفاعلين إشباع حاجتين أساسيتين عند الفرد هما الحاجة للخلد والحاجة للملك ولذلك استطاع إبليس أن يخترق لدى آدم وحواء هذين الحصنين فعصيا الله، قال تعالى:
(قال هل أدلّكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى)
الخلد في الدنيا والملك هما أهم حاجتين لدى الإنسان والتي يسعى إليها فيسعد أو يشقى في البحث عن صورهما والإسلام عالج هاتين الحاجتين معالجة عميقة فبالنسبة لحاجة الخلد بين لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن الدنيا ليست هي المطمح والغاية بل الآخرة هي الحياة (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة) فربط أمته بالحياة الأعظم والخلد الحقيقي وعالج حاجة الملك بالحث أن يجعل المسلم الدنيا في يده وليست في قلبه ففي الدعاء (اللهم اجعل الدنيا في أيدينا وليس في قلوبنا) وحثّ أمته على أن لا يطلب شيئاً تشريفاً بل تكليفاً إن رأى أنه كفؤ لذلك.
إذا تكونت الصورة الذهنية (الملتقطة) أصبحت ملكك وليس لها علاقة بالحدث الخارجي لكن معظم الناس لا يتصرفون على أنهم أصحاب الأمر والنهي وإنما يتبعونها كما تكونت في لحظاتها الأولى فيصبحون عبيداً لهذه الصورة الذهنية.
كل ما ذكرناه عن التفاعلين بين الدماغ والحدث وبين الدماغ والصورة الذهنية سلباً ينطبق أيضاً على الحدث الإيجابي الذي يحصل للفرد.
عندما نتعلم نظرية الدماغ والصور الذهنية نكون واعين لأي حدث مؤلم في ضبط رد الفعل و الاحتفاظ بالهدوء مع الوعي والتعايش بصورة طبيعية مع الموقف وحينها تكون أنت سيد الصورة وآمرها وناهيها ولست عبداً لها.
ما أدعو إليه هو التعبير الطبيعي المتوازن والوازن مع الحدث على نحو (إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون) هكذا كان رد فعل نبي الرحمة عند فقد فلذة كبده وقارنه بموقف تلك المرأة التي فقدت ابنها فجلست على قبره تنوح وتشق ثيابها فمرّ عليها النبي فقال لها: يا أمة الله اصبري واحتسبي فقالت: إليك عني فأنت لا تدري بمصيبتي فلما ذهب عنها نبي الرحمة أخبروها بأنه رسول الله فذهبت إليه معتذرة عما صنعت فقال لها إنما الصبر عند الصدمة الأولى وهذا أعتبره عنوان الوقاية العريض من الصدمات ولذلك أسميت طريقتي في الوقاية من الصدمات بمسمى:
(الصبر عند الصدمة الأولى)
لست ضدّ البكاء بل أنا معه لكن بتوازن واعتدال بدون نوح و لا شق جيب ولا لطم خدّ ومن لا يبكي فهو محروم من أعظم شعور في الوجود وهو الحزن كنت في وفاة والدتي ووالدي رحمهما الله أردد إنا لله وإنا إليه راجعون حسبي الله ونعم الوكيل اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها الخيرة فيما اختاره الله وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ودموعي لا تكف وأخرج بعد العزاء أمشي ودموعي تسيل إلى أن ضبطت انفعالي وأصبحت الخبرة خبرة حزن متوازنة ووازنة وشوقي إلى لقائهما و تجازوت هذين الحدثين المؤلمين بفضل الله وتثبيته وعونه.
الحزن من ألذّ الانفعالات يجعلك رقيق القلب متصلاً بالرب متعاطفاً مع الخلق خفيف النفس من لا تذرف دموعه محروم، كان محمداً عليه الصلاة والسلام كثير الحزن وإذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وكان يقول ( أرحنا بها يا بلال) والحزن يجعلك تفكر بالموقف بطريقة تحليلية منطقية وهذا هو الجانب المشرق للحزن الذي لا يدركه الكثير، الحزن يجعلك تدرس الموقف بعمق، لا يوجد انفعال جيد وآخر سيء المعيار والحكم على الانفعال هو التحكم فإذا تحكمت به فهو جيد وإذا تحكم بك فهو سيء.
أعود لأذكر بخلاصة هامة قبل أن أشرع في طرح التكنيك الوقائي من أحداث الحياة المؤلمة أن كل هذا السرد العلمي الذي سردناه هدفه توعية الفرد لشيء واحد محدد وهو ضبط الانفعال عند حدوث الحدث المؤلم ليكون رد الفعل نافعاً لا مضراً ومعمّراً للذات لا هادماً لها. 
انتهى

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO.

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني