الجمعة، 21 نوفمبر 2014

هندسة النجاح (5)



من مقالات الدكتور خالد محمد المدني

هندسة النجاح



تحدثنا في التدوينة السابقة عن السلوك والتصور الذهني، ووعدنا أن نسجّل ملاحظات هامّة عن السلوك الصادر من الفرد ونحن هنا نفي بما وعدنا ونلخّص عدّة ملاحظات كما يلي:
أنّ السّلوك الناتج من الفرد صدر بناءً على التمثيل الذّهني (الصورة الذهنية) الذي استقرّ فيه جزء من الحقيقة وليس الحقيقة كاملة.
الحكم على المواقف والخبرات بناء على ما فهمه الشّخص فقط يعتبر حكماً ناقصاً وأكبر دليل على ذلك في قصّة الرّجل الذي بعثه النبيّ عليه الصّلاة والسّلام ليجمع الزّكاة من إحدى قبائل العرب فلمّا وصل إليهم وجدهم مجتمعين فعاد إلى النبيّ عليه الصّلاة والسّلام فأخبره أنّ القوم مجتمعون على حربك فأعدّ رسول الله جيشاً لهم فلمّا وصل لم يجدهم على هيئة حرب فلمّا سألهم الرسول ذكروا له أنهم كانوا يجمعون له الزّكاة فأنزل الله قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات .
فجعل عدم التثبّت والفهم الذي يعتمد عليه الشّخص وحده فسقاً وعدّه فاسقاً.
الغرب يبالغون أحياناً في هذه القاعدة ( الخارطة ليست الحقيقة ) ويجعلونها مسلّمة عندهم غير قابلة للنقاش ونحن كمسلمين لدينا تقييد هام لهذه القاعدة فنقول ابتداءً أنّ هذه القاعدة ثبت صوابها علميّاً وارتقت الآن إلى مستوى النظريّة ولم تبقى فرضية من فرضيات البرمجة العصبية اللغوية، ومع ذلك يجب أن نؤكّد على أنّ هناك حقيقة ثابتة لا يمكن إنكارها، وهناك تمثيل ذهني عن هذه الحقيقة، يختلف البشر في تمثيلهم الذهني ولكن لا يختلفون على كون هذه الحقيقة موجودة ثابتة فعلى سبيل المثال الجنة حقيقة لا يشكّ فيها إلاّ كافر لكن التخيل الذهني التي أوجدناه كأفراد عن الجنة يختلف من فرد إلى فرد عن ذلك الذي اعتقدناه، أي أن الجنة حقيقة لكن كيف نراها ونتخيلها مختلفة، وذلك بناء على الفلاتر النفسيّة وهذا مذكور حتّى في السنّة في قوله عليه الصّلاة والسّلام: (فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) أي كل صورة تنشأها وتتخيّل الجنّة عليها فالجنّة خلاف ذلك (مالا عين رأت) وكل صوت ينشأ في ذهنك تتخيّل أنّك تسمعه عندما ستكون في الجنة فالصّوت الحقيقي خلافه (ولا أذن سمعت) وكل إحساس أو شعور تتخيّل أنّك تشعر به عندما تكون في الجنّة فالجنّة خلاف ذلك (ولا خطر على قلب بشر) وهذا حديث صحيح صريح في التفريق بين الحقيقة والصورة التي نكوّنها عن الحقيقة.
إذا أردنا أن نتحكّم في السّلوك فلا بدّ أن نتحكّم في نوع المدخل بمعنى لا تدخل أي شيء لا يقوم الدليل على صحّته، فنقّح المدخل يكون المنتج جيّداً، ونعطي هنا مثالاً بسيطاً لذلك:
الزّوج : يدخل الزّوج إلى منزله فلا يجد زوجته قد أعدت الغداء (الخبرة) فيكون (التمثيل الذهني والتفسير): أكيد ضيعت الوقت في المكالمات الهاتفيّة، أو كانت نائمة (الحالة الداخليّة) شعور بعدم الارتياح أو الغضب (الفسيولوجيا) تأفّف زفير قوي (السّلوك) يدخل الغرفة غاضباً ويغلق الباب بعنف
الزّوجة: تفكّر ما الذي حصل لماذا تصرّف معي بهذه الطريقة ربما لديه مشكلة في العمل (التمثيل الذهني مع التفسير) (الحالة الداخليّة) شعور بالإهمال طيب ما ذنبي أنا إذا هوّ متضايق في العمل (الفسيولوجيا) تأفّف (السّلوك) تجاهل، هذه سلسلة غير بنّاءة في التعامل، لاحظوا في المثالين أنّ التواصل مقطوع ولم يتأكد طرف من الطّرف الآخر، لكن لاحظوا نفس المثال مع ضبط الصورة الذهنية والتواصل كيف ستكون النتيجة؟
الزّوج: يدخل الزّوج إلى منزله فلا يجد زوجته قد أعدت الغداء (الخبرة) فيكون (التمثيل الذهني والتفسير): يمكن مسكينة تعبانه، أو الغاز نفذ فيبادر الزوج بالسّؤال عسى أن يكون خيراً ليه مافي غدا ؟عسى أن تكوني بخير..
الزوجة: واللّه اتصلت أمي مريضة فاضطررت آخذ تاكسي وأوديها المستشفى وقبل ربع ساعة جيت، إن شاء الله ساعة وأحضّر الغدا فيجيبها لا مافي داعي يكفي تعبك مع الوالدة شو حابة نتغدا بطلب من المطعم (الحالة الداخليّة) شعور بالارتياح والفرح (الفسيولوجيا) نشاط حيويّة (السّلوك) يطلب من المطعم ثم يدخل الغرفة بهدوء وهو يحدّث نفسه بريّح شوي لحين يجهز الغدا الحمدلله إلّي رزقني زوجة فيها برّ لأمها هذه سلسلة بنّاءة أدت إلى نتيجة إيجابيّة.
هذه ليست مبالغات هناك من الأسر الراقية من تتعامل بهذا الرقي لأنهم ضبطوا صورهم الذهنية عند حدوث الخبرة .
ليس لنا طريق إلى فهم الناس والتعامل معهم بطريقة بنّاءة سوى التأكد من خرائطنا أنّ ما فهمناه كان صحيحاً.
يتبع...

 

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني

ch@olto.org