الاثنين، 24 نوفمبر 2014

هندسة النجاح (6)



من مقالات الدكتور خالد محمد المدني

هندسة النجاح



تحدثنا في التدوينة السابقة عن: السلوك والتصور الذهني ونتحدث اليوم في هذه التدوينة عن أثر البيئة على البرمجة الذاتية للفرد ...  
سؤال: ماذا عن تأثير البيئة وهل له علاقة بهذا الموضوع؟
من الأسئلة التي طرحت قديماً وحديثاً حول تأثير البيئة على التمثيل الذهني وثار جدل كبير في علم النفس، و الاجتماع حول هذه النقطة، ولكي نبسط الموضوع بشكل علمي منهجي هناك تأثير على تمثيل الإنسان الذهني المبرمج وغير المبرمج، فالتأثير غير المبرمج هو ما نعنيه عند حديثنا عن التأثير على التمثيل الذهني أي أنه يحدث في الحياة بطريقة عفوية وتؤثّر فينا وفي مرشحات إدراكنا وأستطيع أن أحدّدها بأربعة طرق كما يلي:
البيئة: بكل مكوناتها من الطبيعيّة و الاجتماعية، والعادات والتقاليد كلّها تؤثّر في تمثيلنا الذهني(قيم، معتقدات، خبرات) بل في سلوكنا الخارجي، وكذلك تأثير الأسرة علينا والمدرسة والمسجد وأخطر هذه المؤثّرات الإعلام فالإعلام بما يعرض من برامج ومسلسلات و أفلام هادفة أو غير ذلك يبني شخصيّاتنا بطريقة سويّة أو بطريقة غير سويّة فعندما يُبرز التلفاز من خلال المسلسلات أنّ المجتمع غارق في الرذيلة والمخدرات إلى أين سيصل بأذهان النّاس هذا بالإضافة إلى الكثافة الحسية التي تنقلها وسائل الإعلام الإخبارية والتي لا تنقل عادة سوى أخبار القتل والسفك، تبرمج الناس نحو التشاؤم برمجة أكيدة، أضف إلى ذلك إظهار الإعلام وإبرازه  قدوات هي في الحقيقة ليست قدوات كتركيزه على لاعبي الكرة أو الممثلين أو المغنين وإهماله للعلماء والمفكرين والمبدعين كلّ ذلك يجعل أمتنا أمة تركز على سفاسف الأمور و تهمل التقدم العلمي والتكنولوجي وكل ذلك يحصل كما سبق أن ذكرت تحت تخدير الوعي ومخاطبة اللاّوعي.
الانتماء: انتماء الفرد القبلي يؤثّر في سلوكه فعلى سبيل المثال عندما ينتمي الفرد لقبيلة اشتهرت بالكرم والسّخاء سوف ينعكس ذلك على تفكيره وسلوكه أو إلى قبيلة معروفة بحدّة المزاج سوف ينعكس أيضاً ذلك عليه، وهذا مذكور في شعر الشاعر العربي الجاهلي:
وهل أنا إلاّ من غزيّة إن غوت       غويت وإن ترشد غزيّة أرشد
فتبرمج على الغزو أو الرشد حسب مزاج القبيلة وقرارها دون وعي أو تفكير.
الشخصيّة الموثّرة: أي الشخصيّات التي مرّت علينا في حياتنا وتأثّرنا بها (معلمين، شخصيّات علميّة، فنيّة، سياسيّة) وليس شرطاً أن نكون عايشناهم بل ممكن نكون قرأنا عنهم وتأثّرنا بهم من خلال القراءة ومن هنا تأتي خطورة الأفلام والمسلسلات التاريخيّة إذا لم تضبط بمن يوجّه الفهم فعلى سبيل المثال مسلسل تاريخي مثل الزير سالم من وجهة نظري ينبغي أن لا يشاهده إلا الكبار لأنّ المسلسل يظهر لك الانتقام والثّأر بشكل مبالغ فيه والمسلسل يدور من أوّله إلى آخره حول الثّأر وكأنّه الأصل ويخفي التسامح والعفو عند المقدرة، الكبير يستطيع أن يفكّر بمنطق ويقول مثلاً هذا فقد أخاه له الحق أن يأخذ بثأره لكن المراهق ماذا عساه أن يقول ألا يمكن أن ينغرس في اللاوعي عنده أنّ الثّأر هو الأصل وينعكس ذلك على سلوكه فكلّما اعتدى عليه أحد ردّ له الصّاع صاعين.
العواطف الحادّة: الفرد الذي نشأ في بيئة فيها قدر من السعادة والحب والتفاؤل والإيجابيّة ينعكس ذلك على تفكيره وشعوره مقارنة بفرد نشأ في بيئة مليئة بالصدمات والمآسي والأحزان كذلك ينعكس على تفكيره وشعوره وسلوكه، نعود للحديث عن الصور الذهنيّة باختصار إذا تطابقت الصّورتان الحقيقيّة مع المنشأة هذه الصّورة مع الصّور الموجودة في مجموعة الصّور  لديه، فإنه يشبع حاجته إن التطابق بين الصورة في المجموعة الداخليّة والصّورة في الواقع يعني أنّ الفرد قد حصل على ما يريد أمّا عدم التطابق فيعني أنّ الصّورة في ذهن الفرد لم تتحقّق في الواقع، بمعنى أوضح فإنّ الفرد لم يجد إشباعاً لحاجاته في الوسط المحيط،وهنا يشعر الفرد بالإحباط ويقوم الجهاز السّلوكي بإبداع أو توليد سلوكيّات جديدة لسدّ الفجوة بين الصّورة الداخليّة والواقع وهذه السّلوكيّات الجديدة قد تكون فعالة وقد تكون مدمّرة للذّات فيعاني الفرد من عدم توافق وسوء تكيّف، وسواء كانت السّلوكيّات فعالة أو مدمرة فهي من اختيار الفرد وبالتالي هو من يتحمّل مسئوليّتها وهو وحده من يمكن تغييرها أو الإبقاء عليها، والشكل.
يتبع...


د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني

ch@olto.org