الخميس، 11 ديسمبر 2014

محمد عليه الصلاة والسلام القائد المربي (2)



من مقالات الدكتور خالد محمد المدني

ممارسة الشورى قولاً وفعلاً


أواصل في هذه التدوينة الحديث عن صفات القائد العظيم محمّد عليه الصّلاة والسّلام، وأتحدث اليوم عن ممارسة الشورى قولاً وفعلاً..
كان محمّد عليه الصّلاة والسلام يمارس الشورى مع أصحابه قولاً وفعلاً تنفيذاً لأمر الله عزّ وجل: (وشاورهم في الأمر)، شاورهم محمد عليه الصّلاة والسّلام يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عُرْض البحر لخضناه معك، ولو سرت بنا إلى بَرْك الغَمَاد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال بني إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون، وشاورهم أيضاً أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعتق بالتقدّم إلى أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يخرج لقتال كفار قريش أو الاحتماء بالمدينة، فأشار الشباب المتحمّس بالخروج إليهم ومنابذتهم مع أنه رأى رؤيا بأنّ هناك بقرة ستذبح ورؤيا الأنبياء حق وأوّلها عليه الصلاة والسلام بأنّ ناساً من أهل بيته سيقتلون، ومع ذلك نزل لرأي الشباب تأسيساً لنظام الشورى والأخذ بالرأي فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة لمدة عام، فأبى عليه ذلك السَعْدَان: سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عُبَادة، وقالا له: (يا رسول الله أمرًاً تحبه، فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ فقال: «بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة, وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما»، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعًاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك و به، نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت وذاك»، ونزل على رأي السعدين وشاورهم يومَ الحُدَيبية في أن يميل على ذَرَاري المشركين، فقال له أبو بكر الصديق: يا رسول الله: إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجاب أبا بكر إلى ما قال، وفي قصة الإفك التي اتهمت فيها أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر زوراً وبهتاناً استشار الصحابة فكان ممّا قاله: "أشِيروا عَلَيَّ مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ فِي قَوْمٍ اتهموا أهلِي ورَمَوهُم، وأيْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي مِنْ سُوءٍ، واستشار عليّاً وأسامة في فراق عائشة، رضي الله عنها فأشارا عليه بأن لا يفعل"، وقَبِل مشورة الحباب بن المنذر في غزوة بدر، فعندما تحرّك رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، نزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحُبَاب بن المنذر كخبير عسكرى وقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلك الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال:‏‏(بل هو الرأي والحرب والمكيدة)‏‏، قال: يا رسول الله، إن ّهذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم "أي  قريش"  فننزله ونغوّر أي نُخَرِّب ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًاً، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏(لقد أشرت بالرأي)‏‏ ، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من القلب، وقَبِل مشورة سلمان الفارسي في غزوة الأحزاب، نزل القائد لرأي جندي صغير في المعركة، وربما لم يذكر اسمه رضي الله عنه إلا في تلك القصة، وكان أخذُ النبي عليه الصلاة والسلام برأيه من الأسباب في انتصار المسلمين في تلك المعركة، وأخذ برأي سلمان الفارسي في غزوة الأحزاب حين قال له: (يا رسول الله: إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنَا علينا، وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك، فأخذ عليه الصّلاة والسّلام برأي سلمان الفارسي، وكان الأخذ بهذه المعلومة سبب رئيس من أسباب النصر في الحديبية مع أن سلمان الفارسي كان يعد من صغار الجند في المعركة، بل أكثر من ذلك أخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام برأي النساء في قرارات تمسّ الأمة كأخذه برأي أم سلمة رضي الله عنها.
كل ما ورد يدلّ على أنّ النبي القائد محمّداً عليه الصّلاة والسلام لم يستشر أصحابه فقط بل أسّس منهجاً في الحكم يقوم على الشورى قولاً وفعلاً وأنها أساس من أسس أي حكم ناجح.
يتبع ...

د.خالد محمد المدني

خبير القيادة من المركز الأمريكي للشهادات المهنيّة

رئيس مجلس إدارة منظّمة أكسفورد للتدريب القيادي OLTO

دكتوراه الإدارة من جامعة السودان الحكوميّة للعلوم والتكنولوجيا

للتواصل مع الدكتور خالد المدني

ch@olto.org